القرطبي
213
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والعبيد ، فعبس وأعرض عنه ، فنزلت الآية . قال الثوري : فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه وبقول : [ مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ] . ويقول : [ هل من حاجه ] ؟ وأستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما . قال أنس : فرأيته يوم القادسية راكبا وعليه درع ومعه راية سوداء . الرابعة - قال علماؤنا : ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول بغيره ، وأنه يرجو إسلامهم ، ولكن الله تبارك وتعالى عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة ، أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني ، وكان النظر إلى المؤمن أولى وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الامر الآخر ، وهو الاقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم ، وإن كان ذلك أيضا نوعا من المصلحة ، وعلى هذا يخرج قوله تعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى " [ الأنفال : 67 ] الآية على ما تقدم ( 1 ) . وقيل : إنما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تأليف الرجل ، ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الايمان ، كما قال : [ إني لأصل الرجل وغيره أحب إلي منه ، مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه ] . الخامسة - قال ابن زيد : إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وأعرض عنه ، لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه ، فدفعه ابن أم مكتوم ، وأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه ، فكان في هذا نوع جفاء منه . ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه صلى الله عليه وسلم : " عبس وتولى " بلفظ الاخبار عن الغائب ، تعظيما ( 2 ) له ولم يقل : عبست وتوليت . ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال : " وما يدريك " أي يعلمك " لعله " يعني ابن أم مكتوم " يزكى " بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين ، بأن يزداد طهارة في دينه ، وزوال ظلمة الجهل عنه . وقيل : الضمير في " لعله " للكافر يعني إنك إذا طمعت في أن يتزكى بالاسلام أو يذكر ، فتقربه الذكرى إلى قبول الحق
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 45 فما بعدها . ( 2 ) في أ ، ح : تعليما .